في صباحٍ مثقلٍ برائحة البارود، خرجت مريم من خيمتها الصغيرة وهي تحمل حقيبتها المدرسية القديمة. لم تكن الخيمة مكانًا طبيعيًا للدراسة، لكنها اليوم تحولت إلى قاعة امتحان. حولها عشرات الطلبة، بعضهم جلس على مقاعد بلاستيكية، وآخرون افترشوا الأرض، لكن جميعهم حملوا نفس الإصرار: أن يكتبوا مستقبلهم رغم أن الركام يحيط بهم من كل جانب.
رحلة يومية بين الخيام والمباني المتصدعة
منذ أن دُمّرت 90% من مدارس غزة، صار التعليم رحلةً يومية بين الخيام والمباني المتصدعة. ومع ذلك، لم يتوقف الطلبة ولا المعلمون. وزارة التربية والتعليم أعادت امتحانات الثانوية العامة إلى غزة، لتصبح الورقة والقلم رمزًا للصمود، لا مجرد أدوات أكاديمية.
جمال يوسف، مدير عام الامتحانات، وصف المشهد بأنه "تدمير ممنهج"، لكن رغم ذلك، أكثر من 95 ألف طالب اجتازوا امتحاناتهم خلال سنوات الحرب. بعضهم حصل على منح وسافر، وآخرون بقوا هنا ليكملوا الطريق وسط الظروف القاسية.
حلول مبتكرة في قلب الأزمة
لم تعد القاعات التقليدية موجودة، فالكثير منها صار مأوى للنازحين. لكن لجنة الامتحانات ابتكرت حلولًا غير مألوفة: منهاج مقلّص يراعي الفاقد التعليمي، امتحانات إلكترونية، وحتى نظام تصحيح جديد يعتمد على المسح الضوئي بدل المراكز التقليدية التي دُمّرت.
"حين يكتب الطلبة إجاباتهم وسط الركام، فهم لا يجيبون فقط عن أسئلة العلوم أو الأدب.. إنهم يجيبون عن سؤال البقاء: هل يمكن للحياة أن تستمر؟ فتأتي الإجابة واضحة: نعم، فالتعليم هو الطريق الوحيد نحو الغد."
امتحان بقاء وإرادة انتصار
اليوم، حين يكتب الطلبة إجاباتهم، فهم لا يجيبون فقط عن أسئلة الرياضيات أو الأدب. إنهم يجيبون عن سؤال أكبر: هل يمكن للحياة أن تستمر وسط الركام؟ والإجابة تأتي واضحة من عيونهم المضيئة: نعم، فالتعليم هو الطريق الوحيد نحو الغد.
في غزة، قاعة الامتحان قد تكون خيمة، أو غرفة نصف مهدمة، أو مساحة مؤقتة بين الجدران. لكن الطالب الذي يجلس هناك يعرف أن امتحانه ليس مجرد "توجيهي"، بل امتحان بقاء، امتحان إرادة، امتحان انتصار للعلم على الحرب.
بقلم: طه محمد أبو مسلم
مؤسس منصة البيان وكاتب إعلامي من مدينة غزة. أهتم برصد وتوثيق التحولات الاجتماعية والإنسانية ونبض الشارع في غزة، وأسعى عبر قلمي ومنصتي لإبراز قصص الصمود والتحدي ومواجهة التحديات اليومية بكلمة صادقة تعبر عن إرادة الحياة.
💬 تواصل مع الكاتب عبر واتسابتم تحرير وتنسيق هذا المقال تقنياً بواسطة فريق منصة البيان ضمن مساحة (نبض المجتمع) الحرة.
مرحبًا بتعليقاتكم!
> شاركنا رأيك أو أضف أي معلومة ممكن تساعد غيرك.
> يُرجى احترام الآخرين، وتجنب نشر معلومات غير دقيقة أو محتوى مسيء.
> التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.