لم يعد السؤال الذي يرافق صبحي نسمان، 63 عامًا، هو كيف سيمضي يومه، بل كيف سيعثر على الدواء الذي يحتاجه قبل أن ينفد ما في علبته. في منزله شبه المدمر بحي النصر في مدينة غزة، يضع نسمان علبة الدواء قريبًا منه، ويتعامل معها بحذر يشبه تعامل الإنسان مع شيء يخشى فقدانه. هو مصاب بالفشل الكلوي، وحياته مرتبطة بمواعيد الغسيل والعلاج، لكن الحصول على الدواء بات في حد ذاته مهمة شاقة.
"قبل المرض كانت حياتي طبيعية. الآن أصبح يومي مرتبطًا بالمواعيد والأدوية وجلسات الغسيل، حتى أشعر أحيانًا أنني لا أعيش من أجل شيء سوى البحث عن العلاج."
كان في السابق يدخل إلى الصيدلية، يطلب ما يحتاجه، ويمضي. أما اليوم، فقد تبدأ رحلة البحث باتصال وتنتهي بعشرات الاتصالات. "أتصل بأكثر من شخص، وأسأل أكثر من صيدلية، وأحيانًا أبحث عبر الهاتف عن شخص يقول لي إن الدواء موجود"، يقول نسمان.
بالنسبة إلى مريض بالفشل الكلوي، لا تبدو كلمة "انتظار" خيارًا واقعيًا. نقص العلاج قد يعني تدهورًا في الحالة الصحية، ولذلك يجد المريض نفسه مضطرًا إلى البحث في كل مكان، حتى لو لم يكن مطمئنًا إلى المكان الذي سيجد فيه الدواء.
وهنا تبدأ المشكلة الأخرى. فالعثور على علبة دواء لم يعد يعني بالضرورة انتهاء القلق. يضيف نسمان: "عندما أشتري دواء من مكان غير معروف، يبقى داخلي سؤال: هل حُفظ بطريقة صحيحة؟ هل هو أصلي؟ هل سيعطيني النتيجة المطلوبة؟ لكن عندما يكون الإنسان خائفًا على حياته، فإنه يفكر في النجاة أولًا".
علبة الدواء التي تبحث عن صاحبها
في قطاع غزة، حيث تراجعت إمدادات الأدوية وتكررت حالات نفاد الأصناف الأساسية، لم يعد البحث عن العلاج محصورًا في الصيدليات. مجموعات التواصل الاجتماعي أصبحت مكانًا للسؤال، والاتصالات وسيلة للبحث، والأسواق الشعبية تحولت في بعض الحالات إلى محطة أخيرة لمن لم يجد ما يحتاجه عبر القنوات المعتادة.
في صيدلية الرازي بمخيم النصيرات، يقف الصيدلي محمد الشنطي أمام رفوف لا تشبه ما كانت عليه قبل سنوات. مساحات فارغة بين علب الأدوية، ومرضى يدخلون بوصفات طبية ويخرجون بالسؤال نفسه: أين يمكن أن نجد هذا الدواء؟ يعمل الشنطي في غزة منذ أكثر من 15 عامًا، ويقول إن أكثر اللحظات صعوبة بالنسبة إليه ليست عندما لا يبيع دواء، وإنما عندما يقف أمام مريض يعرف أنه بحاجة إلى العلاج ولا يستطيع توفيره له.
"المريض يأتي وهو يحمل وصفته الطبية، وفي ذهنه أنه سيغادر بالدواء. لكنه يفاجأ بأن الصنف غير متوفر، فيكون سؤاله الأول: أين أجده؟ وليس: كم سعره؟"
ومع استمرار النقص، بدأت طرق أخرى للبحث عن الدواء تظهر إلى جانب الصيدليات. يقول الشنطي إن انتشار البيع خارج القنوات الرسمية ليس ظاهرة منفصلة عن الأزمة، بل نتيجة مباشرة للفجوة بين ما يحتاجه المرضى وما هو متاح. لكن الدواء، كما يقول، ليس سلعة عادية يمكن التعامل معها بالطريقة نفسها التي يتم بها التعامل مع بقية السلع.
عندما تخرج علبة الدواء من الصيدلية
في سوق دير البلح، لا تبدو بعض علب الأدوية للوهلة الأولى مختلفة عن بقية السلع المعروضة على البسطات. لكن وجود الدواء في مكان كهذا يفتح سلسلة طويلة من الأسئلة: من أين جاءت العلبة؟ كيف وصلت إلى السوق؟ أين كانت مخزنة؟ ومن يحدد سعرها؟
خالد درويش، 29 عامًا، حاصل على بكالوريوس في المحاسبة عام 2020، يعمل في بيع الأدوية داخل السوق الشعبي. يقول إنه لم يتخيل يومًا أن يصبح الدواء سلعة تُباع على بسطة. "كنت أرى الدواء دائمًا داخل الصيدلية، لكن الظروف تغيرت. أصبح الناس يسألون عن أدوية لا يجدونها في أي مكان".
أصحاب الأمراض المزمنة، وفق وصفه، من أكثر الذين يبحثون عن هذه الأدوية، بينهم مرضى القلب والسكري والكلى. وعندما يعثر المريض أخيرًا على الدواء الذي ظل يبحث عنه، قد يصبح السعر تفصيلًا ثانويًا.
من أين تأتي الأدوية؟
درويش يقول إن الأدوية تصل إلى السوق من طرق متعددة؛ بعضها يُشترى من مؤسسات، وبعضها يأتي من عيادات ومراكز طبية خاصة، ويتحدث أيضًا عن أدوية قد تكون سُرقت من مخازن، إلى جانب أشخاص يتعاملون مع كميات متوفرة لديهم. لكن حتى البائع نفسه لا يعرف دائمًا قصة كل علبة تصل إلى يده.
ومع ندرة بعض الأصناف، يتحول الدواء إلى سلعة يفرض عليها العرض والطلب منطقهما الخاص. ويقول درويش إن بعض الناس قد يشترون الدواء بسعر مرتفع ثم يبيعونه بسعر أعلى، ومع ذلك، يرى أن أصل المشكلة لا يكمن في رغبة المرضى في الوصول إلى السوق، بل في عدم وجود بديل آمن ومتاح.
الدواء ليس سلعة عادية
من جهته، يرى نقيب الصيادلة الدكتور ناصر ياسر أن التعامل مع أزمة الدواء يحتاج إلى النظر أولًا إلى طبيعة المنتج نفسه. "الدواء يختلف عن أي منتج آخر. عندما نتحدث عن الغذاء أو الملابس، يستطيع الإنسان تأجيل الشراء أو اختيار بدائل. لكن الدواء بالنسبة للمريض يكون ضرورة يومية".
"السوق السوداء لا تظهر من فراغ. هي نتيجة فجوة بين حاجة الناس وما هو متوفر داخل الصيدليات والمراكز الصحية. عندما يبحث المريض عن دواء ولا يجده، تظهر فرص لبعض الأشخاص لاستغلال الحاجة."
عندما يصبح النقص فرصة للربح
لا توجد سجلات رسمية يمكن من خلالها تحديد حجم الأموال التي تتحرك داخل سوق الأدوية غير الرسمية. لكن مقارنة بسيطة في سعر أحد الأدوية تكشف حجم الفارق؛ دواء دوفاستون (Duphaston 10 mg)، عُرض في السوق السوداء بسعر وصل إلى 100 شيكل، بينما كان سعره قبل الحرب نحو 35 شيكلًا وهو غير متوفر في الصيدليات حالياً.
ما لا يراه المريض داخل العلبة
العلبة التي تبدو سليمة من الخارج لا تخبر المريض أين كانت طوال الفترة السابقة، ولا في أي ظروف حُفظت. يقول ياسر إن بعض الأدوية شديدة الحساسية وتحتاج إلى درجات حرارة وظروف تخزين محددة، وهو ما يصعب ضمانه عندما تنتقل من القنوات الرسمية إلى جهات غير خاضعة للرقابة.
وهنا يصبح المريض الطرف الأضعف مرتين: يدفع أكثر، وفي الوقت نفسه يتحمل خطرًا إضافيًا يتعلق بمصدر الدواء وظروف تخزينه. "الخاسر الأكبر دائمًا هو المريض"، يقول ياسر.
أزمة أكبر من علبة دواء
في الوقت الذي يبحث فيه المرضى عن الأدوية، تقول وزارة الصحة في غزة إن مخزون الأدوية والمستهلكات الطبية وصل إلى مستويات "كارثية". وبحسب بيان للوزارة، وصلت أرصدة 52% من قائمة الأدوية الأساسية، و71% من المستهلكات الطبية، و70% من المستلزمات المخبرية إلى الصفر.
وفي غزة، لم تعد رحلة المريض تنتهي عند باب الطبيب. أحيانًا، هناك رحلة أخرى تبدأ بعد الخروج من العيادة: البحث عن الدواء. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة الأقسى: كلما أصبح الدواء أكثر ندرة، أصبح المريض أكثر استعدادًا للمخاطرة للحصول عليه.
وفي هذه الأزمة، لا تبدو السوق السوداء سوى أحد أعراض المشكلة. أما أصل المشكلة، فيبقى أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن يجد المريض دواءه عندما يحتاج إليه، من مكان آمن، وبسعر يستطيع تحمله.
بقلم: طه محمد أبو مسلم
مؤسس منصة البيان وكاتب إعلامي من مدينة غزة. أهتم برصد وتوثيق التحولات الاجتماعية والإنسانية ونبض الشارع في غزة، وأسعى عبر قلمي ومنصتي لإبراز قصص الصمود والتحدي ومواجهة التحديات اليومية بكلمة صادقة تعبر عن إرادة الحياة.
💬 تواصل مع الكاتب عبر واتسابتم تحرير وتنسيق هذا المقال تقنياً بواسطة فريق منصة البيان ضمن مساحة (نبض المجتمع) الحرة.
مرحبًا بتعليقاتكم!
> شاركنا رأيك أو أضف أي معلومة ممكن تساعد غيرك.
> يُرجى احترام الآخرين، وتجنب نشر معلومات غير دقيقة أو محتوى مسيء.
> التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.