📁 مقالات

الحجامة.. ما الذي تثبته الدراسات فعلًا وما الذي يتجاوز حدود العلم؟

محتوى طبي مدقق: يستند هذا المقال إلى مراجعات المعاهد الوطنية للصحة (NIH) و Cleveland Clinic والأبحاث السريرية الحديثة.

على مدى قرون، بقيت الحجامة حاضرة في ممارسات الطب التقليدي في مناطق مختلفة من العالم، ومنها العالم العربي. واليوم تعود إلى الواجهة بصورة مختلفة؛ ليس بوصفها ممارسة تراثية فحسب، بل كإجراء يلجأ إليه بعض الأشخاص للتعامل مع الألم وتوتر العضلات ومشكلات صحية أخرى.

لكن السؤال الأهم لم يعد: هل الحجامة قديمة؟ بل: ماذا تستطيع أن تفعل فعلًا وفق ما توصل إليه البحث العلمي الحديث؟ وهل الفوائد المتداولة عنها تتجاوز ما تسمح به الأدلة؟

ماذا يحدث للجسم أثناء الحجامة؟

تعتمد الحجامة على وضع أكواب فوق الجلد وإحداث ضغط سلبي يسحب الجلد والأنسجة السطحية إلى داخل الكوب. وفي الحجامة الجافة لا يُشق الجلد، بينما تتضمن "الحجامة الرطبة" إجراء وخز أو شقوق سطحية قبل استخدام الكؤوس، ما يؤدي إلى خروج كمية من الدم.

تؤدي عملية الشفط إلى زيادة تدفق الدم الموضعي في المنطقة المعالجة وتكسير بعض الشعيرات الدموية الصغيرة تحت الجلد، وهو ما يفسر ظهور العلامات الدائرية المعروفة بعد الجلسة (Cleveland Clinic).

الحجامة في المنظور الشرعي والطب النبوي

تُعد الحجامة من أبرز طرق الاستشفاء في الطب النبوي، وقد حث عليها النبي ﷺ بقوله: "إنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ". وهذا التوجيه النبوي يتوافق تماماً مع الطب الحديث الموثوق عندما يُفهم ضمن مقاصد الشريعة، وعلى رأسها "حفظ النفس" وقاعدة "لا ضرر ولا ضرار". فالدين يحث على التداوي، ولكنه يوجب أن يكون الإجراء آمناً، على يد مختص، وبأدوات معقمة لا تنقل العدوى. اللجوء للحجامة كـ "سُنة" لا يعني أبداً تجاهل المعايير الطبية أو التخلي عن الأدوية الحيوية للأمراض المستعصية، بل الجمع بين هدي النبوة وأسباب العلم الحديث هو التطبيق الأمثل للشرع.

هل تخفف الحجامة الألم فعلًا؟

هنا تبدو الصورة أكثر تعقيدًا من الادعاءات المنتشرة؛ فقد أظهرت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2025 (شملا 72 تجربة و5720 مشاركًا) إشارات إلى أن الحجامة قد تساعد في تخفيف الألم وتحسين بعض مؤشرات جودة الحياة والنوم (PubMed Central).

لكن الباحثين وضعوا قيدًا مهمًا: جميع التجارب المشمولة اعتُبرت ذات خطر مرتفع للتحيز، وصُنفت قوة الأدلة بأنها منخفضة. بعبارة أخرى، قد يشعر بعض الأشخاص بتحسن، خصوصًا في حالات الألم العضلي والهيكلي، لكن هذا لا يجعلها علاجًا شاملاً ومثبتاً بنفس قوة العلاجات الطبية الدقيقة.

خرافة "الدم الفاسد" وتخليص الجسم من السموم

من أكثر العبارات شيوعًا علمياً بشكل خاطئ حول الحجامة أنها تسحب "الدم الفاسد" أو تنظف الدم. طبياً، لا يوجد شيء اسمه دم فاسد يسير في أوردة إنسان حي سليم. زيادة تدفق الدم الموضعي نتيجة الشفط لا تعني أن الحجامة تزيل السموم (وظيفة تنقية السموم يقوم بها الكبد والكلى حصراً ببراعة فائقة).

حتى المصادر الطبية التي تدعم الطب التكميلي تؤكد أنه لا توجد أدلة قوية تسمح بتقديم الحجامة كوسيلة "لتنقية الدم" أو علاج أمراض الأعضاء الداخلية المستعصية (NCCIH).

الحجامة ليست خالية من المخاطر

تحذير: النظافة ليست تفصيلًا.. بل هي الفاصل بين الشفاء والمرض
  • العدوى الفيروسية: في الحجامة الرطبة، قد يؤدي استخدام أدوات ملوثة بالدم إلى نقل عدوى خطيرة منقولة بالدم مثل التهاب الكبد B و C ونقص المناعة المكتسبة (NCCIH).
  • مضاعفات جلدية: تشير المعاهد الوطنية للصحة إلى إمكانية حدوث تغير دائم في لون الجلد، ندبات، حروق، أو تفاقم أمراض مثل الإكزيما والصدفية.
  • فقر الدم: في حالات نادرة، تم الإبلاغ عن مضاعفات خطيرة كفقر الدم الناتج عن تكرار الحجامة الرطبة بصورة مبالغ فيها.

من يحتاج إلى الحذر قبل تجربة الحجامة؟

الحجامة ليست مناسبة للجميع. التعامل معها كإجراء روتيني بسيط دون النظر للحالة الطبية يعد مجازفة. تشير المراجع الطبية (Cleveland Clinic) لضرورة الامتناع عنها أو الحذر الشديد لدى:

  • المصابين باضطرابات النزف (مثل الهيموفيليا) أو فقر الدم الشديد.
  • من يتناولون أدوية مميعة للدم (مثل الأسبرين أو الوارفارين).
  • مرضى القلب المتقدمين وبعض الحالات الجلدية النشطة.

إذن.. أين تقف الحجامة اليوم؟

الحجامة ليست مجرد خرافة يمكن تجاهلها بالكامل، وليست علاجًا سحريًا يصلح لكل مرض. الأدلة الحديثة تمنحها مساحة محدودة بوصفها علاجًا تكميليًا محتملًا، خصوصًا في بعض أنواع الألم.

السؤال الصحيح قبل إجراء الحجامة ليس: "ما الأمراض التي تعالجها؟"، بل: "هل يمكن أن تفيد حالتي تحديدًا، وهل ستُجرى في عيادة مرخصة وبأدوات معقمة للاستخدام الواحد؟" فالطب الحديث لا يقيس قيمة ممارسة علاجية بعمرها، وإنما بقوة الدليل عليها، ومقدار الأمان فيها.

إخلاء مسؤولية طبي: المحتوى المقدم في "منصة البيان" هو لأغراض التوعية الصحية والثقافية فقط. الحجامة إجراء يتضمن سحب الدم، ويجب ألا يُجرى إلا تحت إشراف مختصين مرخصين. لا تتوقف عن تناول أدويتك الموصوفة من قبل طبيبك اعتماداً على الطب التكميلي، واستشر طبيبك المعالج دائماً قبل الخضوع لأي جلسات حجامة إذا كنت تعاني من أمراض مزمنة.
تعليقات