📁 مقالات

شيفرة 1250.... من يملك مفتاحها؟

شيفرة 1250.... من يملك مفتاحها؟

زغرودة تشقّ سكون المكان، وفرحة عارمة تتصاعد من إحدى الخيام، حتى كأنها تعلن للحيّ بأكمله عن خبر طال انتظاره. «عساكم بخير يا أبا أحمد؟» هكذا بادر أحد الجيران بالسؤال. ابتسم أبو أحمد، وقال والفرح يسبق كلماته: «والله، طلعتلي لأول مرة كود الغذاء العالمي!» انهالت التهاني والتبريكات، وتعلّقت القلوب بدعوة واحدة: «إن شاء الله ربنا يجعلها دائمة.»

حيرة وبحث عن السر

في الجهة الأخرى، كان أبو علي واحدًا من أولئك الذين لم يسعفهم الحظ في الوصول إلى المبلغ المنتظر. نصحه جيرانه أن يذهب إلى أبي أحمد، فلعلّه يعرف سرّ هذه الشيفرة، أو يهديه إلى الطريق المؤدي إليها. ذهب أبو علي، وسأل، فجاءه الجواب ببساطة لا تحتاج إلى تفسير: «والله، أنا ما عملت إشي... الرسالة وصلتني لحالها، وقالت إن المبلغ انودع في محفظتي.» وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

هشاشة المعايير وغياب الإجابات

بالأمس، كنا في ورشة للغذاء العالمي. كانت إحدى الفتيات تشرح آليات الحصول على الكود الشهري. وما إن انتهت من حديثها حتى انهالت عليها الأسئلة من كل جانب، أسئلة كثيرة، متشعبة، ومباشرة. لكنها لم تستطع الإجابة عن أغلبها؛ لأنها، في الحقيقة، لا تعرف سوى مصطلح واحد تردده كلما حاصرها سؤال: «التوزيع يتم بناءً على مستوى الهشاشة لدى الأسرة.»

حسنًا... وكيف تُقاس الهشاشة؟ ما المعايير التي تحددها؟ من يضعها؟ وكيف تُحتسب؟ وهل هناك سلم واضح يمكن للأسرة أن تعرف من خلاله أين تقف؟ أسئلة كثيرة، لكن الإجابات غائبة. وبدا الأمر وكأنه شيفرة سرية، أقرب إلى شيفرة دافنشي، حيث تتناثر الرموز أمامك، بينما يبقى مفتاح فكّها في مكان لا يعرفه أحد.

أرزاق مقسومة أم شيفرة معقدة؟

أعرف قريبًا يعمل في الغذاء العالمي. حاول مرارًا أن يعرف كيف يمكن الحصول على الكود، لكنه لم يجد طريقًا واضحًا. أراد أن يساعد والده في الحصول على المبلغ، فبحث شرقًا وغربًا، وسأل من يعرف ومن لا يعرف، حتى انتهى به الأمر إلى خلاصة أقرب إلى الاستسلام: «إنها أرزاق... يسوقها الله إلى من يشاء.»

والأغرب من ذلك أن المشهد لا يسير على قاعدة واحدة. أسرة واحدة، الزوج له كود، والزوجة لها كود، والابن له كود؛ كل واحد مسجل منفصل عن الآخر، وكل واحد يحصل على المبلغ، بينما أسرة فقيرة مكوّنة من عشرة أفراد لا يصلها شيء من ذلك. راجعت أحد مراكز الشكاوى، بحثًا عن إجابة شافية، فلم أجدها. وحتى العاملون هناك لا يملكون جوابًا واضحًا يستطيعون أن يضعوه أمام الناس.

"كيف تُختار الأسر؟ ما المعايير؟ كيف تُقاس الهشاشة؟ ولماذا تحصل أسرة على الكود، بينما تُستبعد أسرة أخرى، رغم أن الفقر والحاجة قد يكونان ظاهرين في كلتا الحالتين؟"

لا يوجد، حتى الآن، صوت إعلامي واضح يضع هذه الآلية أمام الناس، ويشرح لهم كيف يعمل هذا النظام الذي أصبح بالنسبة لكثير من الأسر لغزًا حقيقيًا.

مفتاح السماء لحل شيفرة الأرض

لذلك خلص قريبي إلى النتيجة التي لا تحتاج إلى جداول ولا معادلات: إنها أرزاق تُساق إلى العباد حيث شاء الله. فأكثروا من الاستغفار؛ فلعلّه يكون أحد مفاتيح فك شيفرة الـ1250. فقد قال الله تعالى:

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ۝ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾

وإن أردتم معرفة المعايير الأخرى، فابحثوا عنها في كتاب الله. فربما، في يوم ما، تنكشف الشيفرة... وينهال الكود على الخيام، كما انهالت الزغاريد يوم وصل إلى أبي أحمد.

محمد حمادة

بقلم: محمد حمادة

من أبناء مخيم جباليا، حاصل على درجة الماجستير في تكنولوجيا المعلومات، وأعمل في جامعة القدس المفتوحة – فرع الشمال. كتبت العديد من المقالات التي نُشرت في المجلات الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، متناولًا قضايا المجتمع والإنسان في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة. أُومِن بأن الكلمة الصادقة قادرة على ترميم ما تهدمه الحروب، لذلك أحرص في كتاباتي على غرس الأمل وإحياء روح الصمود والتفاؤل، رغم ما خلفته حرب الإبادة من ألم وفقدان.

💬 تواصل مع الكاتب عبر واتساب

تم تحرير وتنسيق هذا المقال تقنياً بواسطة فريق منصة مساعدات غزة ضمن مساحة (نبض المجتمع) الحرة.

إخلاء مسؤولية: المواد المنشورة في قسم "نبض المجتمع" تعبر تماماً عن آراء كتابها وتجاربهم الشخصية، ولا تعكس بالضرورة التوجه الرسمي لمنصة مساعدات غزة. كما تخلي المنصة مسؤوليتها القانونية عن أي تواصل مباشر أو ترتيبات شخصية تتم عبر وسائل التواصل المرفقة.
تعليقات