🌊 رسائل البحر جديد

حين اغتالوا اليدَ التي تُداوي

حين اغتالوا اليدَ التي تُداوي

اقتربت الدبابات فجأة، وازدادت حدة القذائف من حولنا. كانت أمي تجلس جلسة المتضرع إلى الله أن يحمينا، وكان الخوف يملأ المكان. لم يكن أمامنا حل سوى اللجوء إلى المستشفى الملاصق لبيتنا. تمكن بعض أهل الحي من الهروب، قبيل اقتراب الدبابات بقليل، إلى مكان أقل خوفًا ورعبًا، بينما بقي الجيران الملاصقون للمستشفى في بيوتهم. كان أملهم وخيارهم الأخير هو الاحتماء بالمستشفى، لعلّه يكون سفينة النجاة من بطش الظالمين.

ليالي الظلام والخوف

اقترب الليل، وما أدراك ما الليل! ظلام وخوف، والموت يحوم من حولك. أمضينا ليلة هي الأقسى على الإطلاق؛ إذ كانت أصوات قصف البيوت من حولنا تتعالى، ورائحة البارود تخنق أنفاسنا. نطقنا الشهادة مرات ومرات، ولم تفارق ألسنتنا. أكانت هذه آخر الليالي لنا في هذه الدنيا؟ أيقنت نفوسنا أننا سندفن هنا، تحت الركام، ولن يعلم أحد بمصيرنا.

كانت عقارب الساعة تسير كسلحفاة أعياها الدهر. تغفو عيناك دقائق، ثم تستيقظ على شظايا البيوت التي تتساقط على سطح منزلنا كحمم بركانية. انتهى الليل، وأشرق صباح جديد، ووُلدنا معه من جديد.

في اليوم التالي، لم نستطع البقاء في البيت كما فعلنا في الليلة السابقة، فذهبنا إلى المستشفى لنمضي ليلتنا بين النازحين، وكان أغلبهم من الجيران. شعرنا فيها بخوف أقل مما شعرنا به في البيت؛ فالموت مع الجماعة رحمة، كما يقول الأجداد.

لقاء في أروقة المستشفى

في تلك الليلة، لم أجد مكانًا أنام فيه سوى بعض الدرجات التي يصعد الناس عبرها إلى الطابق العلوي. جلست على تلك الدرجات أتأمل الصاعدين والنازلين، وكان من بينهم الدكتور عدنان، الذي مرّ على الدرج عشرات المرات. تأملته بتمعّن، فقد كانت حركاته توحي بشيء لم نكن نعلمه. لم أكن أعرف اسمه ولا طبيعة عمله، سوى أنه يرتدي زي الأطباء.

كان التوتر والخوف يبدوان على وجهه. لم أكن أعلم لماذا ظهر عليه كل هذا القلق، وهو طبيب لا عمل له سوى علاج المرضى، وهذه، في نظري، ليست جريمة تستدعي أن يكون في مثل هذه الحالة.

اقتربت من أحد جيراننا لأتحدث معه، لعلّ الحديث يؤنسنا ويخفف الذعر في قلوبنا. سألته عن ذلك الطبيب، فأخبرني باسمه، وإذا به طبيب ذو تخصص نوعي، ومن الأوائل في مجاله على مستوى غزة. أدركت حينها أنني أمام رجل عظيم.

حاولت استراق السمع إلى ما يدور حوله، لعلّي أعرف إلى أين تتجه الأمور؛ فهو صاحب بصيرة، وليس كأولئك الذين يتخبطون في أحاديثهم، فيغردون شرقًا وغربًا، فتزيد كلماتهم خوفنا أو تمنحنا شيئًا من الطمأنينة.

«دكتور عدنان، هل نحن في خطر؟»

هكذا سأله زميله. حاولت الإنصات لعلّي أعرف ما ينتظرنا وما يدور حولنا. أجاب الدكتور عدنان بصراحة ووضوح:

«نعم، نحن في خطر شديد».

فردّ عليه زميله: «لماذا؟»

فقال: «ألم تلاحظ في إعلامهم حجم التحريض على القطاع الصحي ومستشفياته وأطبائه، وعلى المتعلمين، ولا سيما حملة الشهادات العليا؟»

أدركت حينها أن الوضع خطير، وأنني قد أكون مستهدفًا أيضًا؛ لكوني من الفئة التي تحدث عنها الدكتور عدنان.

عدت مسرعًا لأخبر جاري بما سمعت، وحذرته مما نحن فيه، كونه يعمل محاضرًا في إحدى الجامعات، وبالتالي فهو ضمن دائرة الخطر نفسها.

"ردّ عليّ جاري بأنه إنسان مدني وأكاديمي، وليس ممن لهم أي دور في المقاومة أو في أحداث أكتوبر. أخبرته أن الوضع يبدو أصعب مما نتخيل، كما فهمت من حديث الدكتور عدنان."

لكن صوت قصف مدوٍّ في المكان أنهى حوارنا. كانت تلك الفترة من بدايات الحرب، ولم يكن أحد يعلم ما الذي ينتظرنا.

طريق الفرار والحصار

أمضينا الليلة الثانية في البيت، ولم تغمض لنا عين لحظة واحدة، بسبب شدة القصف من حولنا. وفي تلك الليلة، قررت الهروب، رغم أن الأمر كان مغامرة صعبة، لكن الخيارات الأخرى كانت أصعب، هكذا خُيّل إليّ.

في الصباح، كالعادة، كان القصف يهدأ قليلًا، وكأنهم يعيدون شحن قذائف الموت بعد نفاد الكمية التي أُطلقت ليلًا. ومع الصباح، كنا نرى حجم الدمار من حولنا.

أخبرت جاري بقراري الفرار إلى مكان أقل رعبًا، وخصوصًا بعد شعورنا بأن الموت اقترب منا كثيرًا. لم يُبدِ جاري أي اهتمام، وظل مصرًّا على أنه مدني وليس عليه ما يخشاه. ثم قال لي:

«لمن أترك زوجتي وأبنائي؟ كيف أتركهم وهم كل حياتي؟»

كان همه الوحيد الحفاظ على عائلته في ظل حرب ظالمة.

في العاشرة صباحًا، تمكّنت أنا وأخي من الفرار من المكان بأعجوبة. كانت القذائف تتساقط من حولنا، لكن رعاية الله، ثم أزقة المخيم الضيقة، كانتا سببًا في نجاتنا من موت محقق.

وفي عصر اليوم نفسه، وصل إلينا خبر مفاده أن القوات قد أحكمت سيطرتها على المستشفى ومحيطه، وفرضت عليه الحصار.

لم تمضِ أيام قليلة حتى أصبح جميع من في المستشفى في قبضة الطغاة؛ فأُسر منهم من أُسر، وأُطلق سراح بعضهم. وكان أغلب الأسرى من المتخصصين في مجالات نوعية، والحاصلين على درجات علمية عالية. وكان مدير المستشفى، والدكتور عدنان، وجارنا، وغيرهم كثيرون، من بين المعتقلين.

وجع الفقد والمرارة

وبعد أن غادر الظالمون المكان، ظهر حجم الإجرام الذي خلّفوه وراءهم.

عمّ الحزن بين جيراننا؛ فزوجة جارنا كانت بحاجة ماسة إليه في تلك الظروف القاسية. لقد ترك غيابه فراغًا لا يملؤه أحد، كما أخبرني والده. ترك زوجته تواجه أمواج الحياة العاتية، وتستيقظ كل يوم على أعمال شاقة، محاولةً تعويض أبنائها عن حنان أبيهم الأسير ظلمًا. فكانت الأم والأب في آن واحد.

مرّت الأيام سريعًا، واشتد الجوع حتى بات يفتك بالجميع. ونام الناس، وكلٌّ يحمل وجعه؛ فمنهم الجائع، ومنهم الخائف، ومنهم الحزين.

وفي صباح اليوم التالي، استيقظنا على صراخ جيراننا؛ فقد رحلت زوجة جارنا الأسير عن الحياة. لم تستيقظ كعادتها، ولم تستيقظ لتواصل الكفاح من أجل أبنائها، وتحافظ على أسرتها كما كان أبوهم يفعل. لقد غادرت الحياة مبكرًا، تاركةً وراءها أسرةً وحيدةً بلا أب ولا أم، تواجه أشد الأيام قسوة، وتصارع واقعًا لا يرحم طفلًا ولا شيخًا.

وفي ظل خطة الجنرالات، ومع اشتداد الظلم والقتل في كل مكان، لم تعد تتوافر مقومات البقاء، فغادر جيراننا شمال القطاع. وعند الحاجز، أُصيب ابن جارنا الأسير، ذلك الشبل الذي كان سندًا منتظرًا لأخواته البنات. ولولا رحمة الله ورعايته، لكان في عداد الشهداء، لكن عناية الله كانت حاضرة، وأبقته على قيد الحياة.

مسلخ "سدي تيمان" والشهادة

سجن سدي تيمان، ذلك السجن الذي سيخلّده التاريخ شاهدًا على الظلم الذي تعرّض له شعب أعزل، قاوم مغتصب أرضه، فنكّل به بكل ألوان العذاب.

وكان الدكتور عدنان واحدًا من أولئك الذين عُذّبوا. ولم تمضِ أيام كثيرة حتى امتلأت الفضائيات بخبر حزين، يعلن أمام العالم استشهاد ذلك الطبيب الخبير في مجاله، بعد تعرّضه لتعذيب شديد أودى بحياته.

وهكذا، فارق الدكتور عدنان البرش الحياة متأثرًا بالتعذيب، ورحلت روحه الطاهرة من سجن الظالمين، في انتظار عدالة السماء التي تقتصّ من الظالمين يوم يقوم الأشهاد.

لقد صدق الدكتور عدنان في تقديره؛ فقد كان من أوائل من أدركوا مخططاتهم، وكشفوا خبثهم وما يضمرونه من فساد. صدق يا دكتور عدنان؛ فلم تكن حربًا عادية، وإنما كانت حربًا تهجيرية، وحرب إبادة استهدفت كل من يحمل علمًا أو قلمًا أو يوثّق دمارًا. كانت حرب إبادة وفناء لشعب أراد الحياة على أرضه وفي وطنه.

بشائر الحرية وعدالة التاريخ

دكتور عدنان، سيأتي يوم يزور فيه قبرك شابٌّ كتب الله له أن يشهد التحرير، ليخبرك بأن الله انتقم ممن ظلموك، وأن فجر الحرية قد بزغ، وأن ما انتظرناه طويلًا أصبح واقعًا نراه بأعيننا.

سيأتي ذلك الشاب ليحمل إليك خبرًا سارًّا: أن أحد الطرق المؤدية إلى الأقصى قد يُخلَّد باسمك، فيُسمّى «شارع عدنان»، وأن مستشفى في أرجاء فلسطين قد يحمل اسم عائلتك: «مستشفى البرش».

وسيكتب التاريخ أن شعبنا صبر وقاتل، وقُتل أبناؤه، لكنه مضى ثابتًا على أرضه، مقدّمًا علماءه ومتعلميه ورجاله ونساءه وأطفاله، الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الله، حتى أصبح التحرير أملًا لا يموت، وغايةً يسعى إليها الأحرار.

وسيؤكد التاريخ أن سنن الله في الأرض ماضية، رغم أنوف الظالمين، وأن الظلم لا يدوم، وأن للحق يومًا ينتصر فيه.

قال تعالى:

﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾
محمد حمادة

بقلم: محمد حمادة

من أبناء مخيم جباليا، حاصل على الماجستير في تكنولوجيا المعلومات، وأعمل في جامعة القدس المفتوحة – فرع الشمال. كتبت العديد من المقالات التي نُشرت في المجلات الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، متناولًا قضايا المجتمع والإنسان في ظل الظروف الاستثنائية.

💬 تواصل مع الكاتب عبر واتساب
إخلاء مسؤولية: المواد المنشورة في قسم "نبض المجتمع" تعبر تماماً عن آراء كتابها وتجاربهم الشخصية، ولا تعكس بالضرورة التوجه الرسمي لـ منصة البيان. كما تخلي المنصة مسؤوليتها القانونية عن أي تواصل مباشر يتم عبر وسائل التواصل المرفقة.
تعليقات