🌊 رسائل البحر جديد

خيام لا تصمد أمام الشتاء.. من ينقذ نازحي غزة قبل الأمطار؟

آخر تحديث: الثلاثاء 28 أكتوبر 2026

خيام متهالكة للاجئين والنازحين في قطاع غزة تظهر معاناتهم مع اقتراب فصل الشتاء وموسم الأمطار

مع اقتراب موسم الأمطار، لا تبدو الخيام المهترئة في قطاع غزة قادرة على توفير الحماية التي تحتاج إليها آلاف العائلات النازحة. فالأسر التي أمضت فترات طويلة في مراكز الإيواء والمخيمات المؤقتة تواجه خطر تسرب المياه والبرد وتدهور أماكن إقامتها، في وقت تتواصل فيه المطالبات بتوفير الخيام والشوادر ومواد إصلاح المأوى قبل اشتداد الظروف الجوية.

وجددت رابطة النازحين في غزة، وفق تقرير نشرته وكالة «معًا» يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول، دعوتها إلى المؤسسات الدولية والجهات المانحة والمنظمات الإنسانية للتحرك بصورة عاجلة، وتوفير الاحتياجات الأساسية للعائلات التي تعيش في خيام متهالكة أو مبانٍ متضررة لا توفر الحد الأدنى من الأمان.

ولا تتعلق المسألة بتأمين غطاء مؤقت فحسب؛ فبالنسبة إلى الأسر التي فقدت منازلها، يمكن أن تتحول الأمطار والرياح إلى عبء إضافي على حياة يومية مثقلة أصلًا بالنزوح ونقص الخدمات وصعوبة الحصول على مستلزمات المعيشة.

الشتاء يقترب.. والمأوى المؤقت يفقد قدرته على الحماية

الخيمة التي تُستخدم لفترة قصيرة قد تتحول، مع استمرار النزوح وتكرار تعرضها للشمس والرياح، إلى مأوى ضعيف لا يحتمل موسمًا جديدًا من الأمطار. ومع اهتراء الشوادر وتضرر وسائل التثبيت والعزل، تصبح حماية الفراش والملابس ومستلزمات الأطفال من البلل تحديًا يوميًا للعائلات.

ولا يقتصر الخطر على الخيام وحدها؛ إذ لا تزال أسر أخرى تقيم في مبانٍ متضررة، ما يثير مخاوف تتعلق بسلامة السقوف والجدران، خصوصًا في المواقع التي قد تتجمع فيها مياه الأمطار أو تتأثر بالتربة المشبعة بالمياه.

وتتضاعف الصعوبات عندما تجتمع هشاشة المأوى مع ضعف تصريف المياه ونقص المستلزمات الأساسية. فالأمطار قد تتسبب في إتلاف الأغطية والفراش، بينما يرفع البرد من معاناة الأطفال وكبار السن والمرضى، ولا سيما لدى الأسر التي لا تملك المال لشراء بدائل مناسبة.

الأرقام الأممية تكشف اتساع فجوة الإيواء

وتوضح بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» حجم التحدي الذي تواجهه الاستجابة الإنسانية قبل الشتاء. ففي تقرير الوضع الإنساني المنشور في 19 أكتوبر/تشرين الأول، استنادًا إلى بيانات حتى منتصف الشهر، أشار المكتب إلى أن نحو 950 ألف نازح يعيشون في مواقع معرضة لمخاطر الفيضانات بدرجات متوسطة إلى مرتفعة، بينهم أكثر من 400 ألف شخص في مواقع مرتفعة الخطورة.

وأشار التقرير إلى أن 294,250 أسرة تحتاج إلى مساعدات إيواء استعدادًا لموسم الأمطار، في حين لا تكفي الإمدادات المتاحة إلا لتغطية احتياجات نحو 18% منها بصورة جزئية.

وتكشف هذه الفجوة أن المشكلة لا تتوقف عند نقص الخيام الجديدة، بل تشمل أيضًا الحاجة إلى الشوادر ومواد تثبيت الخيام وعزلها، وأدوات إصلاح المساكن المتضررة، وتحسين تصريف المياه، وتجهيز مواقع النزوح للحد من مخاطر تجمع الأمطار والفيضانات.

كما أن توفير المواد وحده لا يكفي ما لم تتمكن المؤسسات من إدخالها ونقلها وتوزيعها في الوقت المناسب. فالتأخر في أي مرحلة من هذه المراحل قد يحرم الأسر الأكثر هشاشة من الاستعداد للظروف الجوية قبل وقوعها.

ما الذي تحتاج إليه الأسر قبل اشتداد الأمطار؟

تتطلب الاستجابة الفعلية للاحتياجات الشتوية توفير حزمة متكاملة من مستلزمات الإيواء، لا الاكتفاء بإرسال عدد من الخيام. وتشمل الأولويات الخيام المناسبة، والشوادر المقاومة للمياه، ومواد التثبيت والعزل، والفرش والأغطية والملابس الدافئة، إلى جانب أدوات إصلاح المساكن المتضررة والمواد اللازمة لتحسين تصريف مياه الأمطار.

وتحتاج المواقع الأكثر عرضة للغرق إلى إجراءات وقائية تشمل تنظيف قنوات التصريف، ورفع مستوى بعض أماكن الإيواء عند الإمكان، وتجهيز حلول لتصريف المياه، وتقييم المواقع التي قد لا تكون آمنة لاستمرار إقامة العائلات فيها.

وفي الحالات التي يتعذر فيها الحد من المخاطر داخل موقع النزوح، تصبح دراسة خيارات الانتقال الطوعي والمنظم إلى أماكن أكثر أمانًا جزءًا من الاستجابة المطلوبة، على أن تتوافر للعائلات بدائل مناسبة وألا تتحول عملية الانتقال إلى نزوح جديد بلا ضمانات واضحة.

كما ينبغي إعطاء أولوية للأسر التي تضم أطفالًا وأشخاصًا ذوي إعاقة ومرضى وكبار سن، وللعائلات التي تقيم في خيام متضررة بشدة أو مبانٍ غير آمنة، مع ضمان وصول المساعدات إلى المستحقين وفق الاحتياج الفعلي.

المشكلة ليست في الاحتياجات فقط.. بل في وصول المساعدات

تواجه جهود الاستعداد للشتاء تحديات تتجاوز حصر الاحتياجات، إذ أشار تقرير «أوتشا» إلى أن نقص التمويل والقيود اللوجستية وصعوبات إدخال المواد والمعدات الأساسية تؤثر في قدرة المؤسسات الإنسانية على توسيع تدخلاتها بالسرعة المطلوبة.

وذكر التقرير أن مخزون المساعدات المتاح لا يتناسب مع حجم الاحتياجات المقدرة في مختلف أنحاء القطاع، وأن النقص في المواد والأدوات والتمويل يحد من إمكانات إصلاح المآوي المتضررة والحد من مخاطر الفيضانات.

وهذا يعني أن نجاح الاستجابة لا يُقاس بالإعلانات عن خطط الطوارئ وحدها، بل بقدرة المؤسسات على تحويلها إلى إجراءات ميدانية: مواد تصل إلى غزة، وفرق تتمكن من الوصول إلى مواقع النزوح، ومساعدات توزع وفق الأولويات، وحلول تقلل المخاطر قبل اشتداد الأمطار.

ومن المهم كذلك أن تكون عمليات التوزيع واضحة وقابلة للمتابعة، بحيث تصل مواد الإيواء المجانية إلى الأسر المستحقة، مع توفير معلومات عن الكميات التي تدخل وآليات توزيعها، ومنح الأولوية للعائلات التي تواجه أخطر ظروف السكن.

مناشدة جديدة.. لكن المطلوب خطوات على الأرض

تعيد مناشدة رابطة النازحين تسليط الضوء على مأزق الأسر التي تنتظر حلولًا عملية لمشكلة الإيواء، في وقت لا يمكن فيه تأجيل الاستعداد للشتاء إلى حين وقوع الأضرار. فإصلاح خيمة متضررة أو توفير شادر مناسب قبل المطر قد يمنع تلف ما تملكه الأسرة من فراش وملابس، ويخفف تعرض أفرادها للبرد والمياه.

لكن حجم الاحتياجات في غزة يجعل الاستجابة الفردية أو المحدودة غير كافية؛ إذ يتطلب الأمر تنسيقًا بين المؤسسات الإنسانية والجهات المانحة والهيئات المحلية، وتوفير تمويل يسمح بشراء المستلزمات وإدخالها وتوزيعها، إلى جانب إجراءات لتقليل مخاطر الفيضانات وتحسين ظروف الإيواء.

ومع اقتراب موسم الأمطار، تتقلص المساحة المتاحة للتحرك المتأخر. فالعائلات التي تعيش في خيام متهالكة لا تحتاج إلى وعود جديدة بقدر حاجتها إلى مأوى يحميها، ومواد تصل في الوقت المناسب، وخطة تضع سلامة الإنسان في مقدمة الأولويات.

وفي نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح الاستجابة الشتوية بعدد المناشدات أو الاجتماعات، بل بمدى قدرة الأسر النازحة على عبور موسم البرد والأمطار بأمان أكبر، وبما يتوفر لها من حماية تحفظ كرامتها وتقلل المخاطر التي يمكن تجنبها بالتحرك المبكر.

طه محمد أبو مسلم

بقلم: طه محمد أبو مسلم

مؤسس منصة البيان وكاتب إعلامي من مدينة غزة، يهتم بالتحولات الاجتماعية والإنسانية ونبض الشارع والخدمات الحيوية في غزة.

تنسيق وإخراج إلكتروني: فريق منصة البيان ضمن قسم (المساعدات والخدمات الإنسانية).
www.bayannet.net

إخلاء مسؤولية: يستند هذا التقرير إلى التقارير والبيانات الإنسانية المنشورة في المصادر المشار إليها أعلاه. وقد نُسبت الأرقام والتقديرات إلى الجهات الدولية والمحلية التي أصدرتها، وتُنشر لأغراض التوعية وتسليط الضوء على الواقع الخدمي والإنساني.
تعليقات